Smaller Default Larger

تعز قديما

 

 في العصرالرسولي

 سارع الأيوبيون إلى مساندة جهود هؤلاء العلماء فأنشأوا المدارس العلمية باعتبارها أهم المراكز الأساسية المعاونة للعلماء في نشر العلم وإشاعته في المجتمع اليمنى، وهذا في حد ذاته يمثل البداية الحقيقية لظهور المدارس النظامية في اليمن، وهو يمثل أيضاً سابقة جليلة يسجلها التاريخ للأيوبيين في بلاد اليمن.

 وأملت أهداف الأيوبيين في اليمن ورغبتهم في الاستقرار به، أن يقوموا ببناء عاصمة لهم في المنطقة التي كانت تعرف بحصن تعز والذي كان فيما يبدو من روايات بعض المؤرخين، أنه كان يشغل منطقة مأهولة في الفترة التي سبقت بناء مدينة تعز الجديدة نفسها. فهي في أول الأمر كانت حصناً يفي ببعض الأهداف العسكرية للقوى المختلفة في اليمن، يحيط بجوانبه في نفس الوقت مناطق مأهولة بالسكان، أصبحت بعد العمارة الأيوبية الجديدة في هذا المكان تحمل اسم مدينة تعز بدلاً من حصن تعز، واتخذها الأيوبيون عاصمة لهم. وتشير بعض المصادر إلى أن توران شاه عندما نزل في مدينة زبيد أمر الأطباء بالبحث عن مكان صحي طيب الهواء ، فوقع اختيارهم على المنطقة التي فيها حصن  تعز فاختطها لتكون عاصمة للإدارة الأيوبية في اليمن ، ومركزاً للقيادة العسكرية، وموضعاً آمناً لخزائن وأموال الدولة.

    اهتم الأيوبيون اهتماماً كبيراً بعاصمتهم تعز حتى أصبحت مركزاً مهماً للحركة العلمية في اليمن،  وكان ذلك من خلال تشجيعهم للعلماء وحثهم على نشر العلم بين الناس ، علاوة على الاستفادة من هؤلاء العلماء في خدمة الدولة في كثير من المناصب الإدارية والتعليمية ، وبذل الأموال والعطاءات والهدايا الكثيرة لهم لتشجيعهم وتقديرهم.

     وقد ظهر الرسوليونفي بلاد اليمن كأعوان أقوياء للملك سيف الإسلام طغتكين بن أيوب (579-593هـ/ 1183- 1196) ، حيث تولى عدد من أبناء البيت الرسولي كثيراً من المهام السياسية والإدارية في اليمن . وتطورت مكانة الأسرة الرسولية ، وأظهر نور الدين عمر بن على الرسولى كفاءة عالية أثناء إمارته لمكة، مما هيأه لأن يكون أتابكاً وقائداً عاماً للجيش الأيوبي، وعمل بجهد كبير في تثبيت دعائم الحكم الأيوبي في اليمن، الأمر الذي جعل الملك المسعود يُسند إليه نيابة اليمن نيابة عامة حين عودته إلى مصر، سنة(626هـ/ 1228) .

 وخلال عامين من عودة الملك المسعود إلى مصر، استطاع - عمر بن علي-  أن يتخلص من كل القوى المعارضة له باليمن، وأن يعلن استقلاله باليمن ، وتلقب بـ (الملك المنصور) ، واتخذ من تعز عاصمة له، وكان ذلك في سنة (628هـ/1230م) ، وفي سنة (632هـ/1234م) أعطت الخلافة العباسية (عمر بن علي بن رسول) الصفة الشرعية في حكم اليمن ، وجاءه رسول الخليفة إلى تعز وارتقى على المنبر وقال: "يا نور الدين إن العز يقرئك السلام ، ويقول: قد تصدقت عليك باليمن ووليتك إياه، وألبسه الخلعة الشريفة على المنبر". وأصبح عصر بني رسول من أهم إن لم يكن أهم عصور الازدهار العلمي والثقافي في بلاد اليمن. ووقفت مدينة تعز العاصمة الرسولية تؤدى دورها الرائع في هذه المنظومة الحضارية الباهرة في أنحاء اليمن. ظل الرسوليون يؤدون رسالتهم السياسية والحضارية في اليمن، وفى عهدهم تألقت عاصمتهم تعز كعاصمة لدولة كبرى في جنوب الجزيرة العربية، إلا أن مدينة تعز لم تكن مدينة بمفردها وإنما ضمت إليها عدداً من النواحي والقرى قد تكون ملاصقة لها أو بعيدة عنها ، ولكنها تقع في الإطار العام ضمن كيانها المؤثر والمتأثر بها نذكر منها مدينة الجند، و جَبَأ، وثَعَبَات ، وغيرها من القرى.

 وتمثل المؤسسات التعليمية في تعز في عصر بني رسول أهم الشرائح التي قادت حركة التقدم العلمي في اليمن ، ومن ثم فإنها ستكون هي الركيزة الأساسية والمهمة التي سيتجه إليها جهد سلاطين وملوك بني رسول ونسائهم ووزرائهم وقادتهم وكبار رجال الدولة والأعيان فيها ؛ شعوراً منهم بأهمية هذه المنشآت التعليمية في تحقيق الرقى والتقدم للدولة الرسولية . ولم تقتصر جهود سلاطين بني رسول على إنشاء دور العلم والعبادة وتأسيسها، بل امتد نشاطهم العلمي إلى تلقي العلم على يد العلماء والمشايخ، وساهموا مساهمة فعالة في رعاية العلم والعلماء، فأعفوهم من الضرائب ، وأغدقوا عليهم الصلات والهبات، بل لم يجد سلاطين بني رسول غضاضة في زيارة العلماء في بيوتهم وحضور مجالسهم العلمية، والمشاركة في المناظرات، إلى جانب قيام بعض سلاطين بني رسول بالتأليف وتصنيف الكتب في شتى أنواع المعارف، واهتموا باقتناء الكتب ، وتوفير خزائنها للقراء والعلماء ، وأوقفوا الكتب و الأراضي والأموال على المنشآت العلمية ؛ مما كان له أكبر الأثر في ازدهار الحياة العلمية في اليمن في ذلك الوقت.

 المؤسسات التعليمية في عهد بني رسول:

 سارت اليمن في تاريخها العلمي على نفس الأنماط التعليمية التي كانت سائدة في العالم الإسلامي ؛ فتنوعت في اليمن المؤسسات التعليمية ، فكانت هناك الكتاتيب أو المعلامات والمساجد والمدارس وكذلك الأربطة والزوايا والخوانق ودور الضيف ، وغيرها من أماكن التعلم كمجالس العلم التي كانت تقام في منازل العلماء أو في قصور السلاطين الملوك من بني رسول.

 أولاً- المَكاتِبْ أو المعلامات :

 تقوم للتعليم الأساسي الذي يتلقى فيها الصبية أساسيات العلم كالقراءة ،والكتابة ، ومبادئ الحساب ، إلى جانب ذلك يحفظون القرآن ، ويتلقون بعض العلوم الشرعية كمبادئ العبادات والحديث الشريف. ومن المهم هنا أن نشير إلى أننا نستطيع أن نميز ثلاثة أنواع من المعلامات في اليمن:

  1-      المعلامات العامة :

 غالباً ما تكون هذه المعلامات إلى جانب المساجد أو الجوامع، أو قد تكون في داخل المساجد الصغيرة أحياناً، ويطلق على القائم بالتعليم فيها (معلم الصبيان) ، ويلتحق بهذه المعلامات كل راغب في التعلم من الصبيان مقابل أجر يدفعه للمعلم

 . وجرت العادة أن يدفع بالصبي إلى المعلامات عند بلوغه سن التمييز؛ ليتلقى القرآن الكريم ، والكتابة وشيئاً من الفقه، فضلاً عن الآداب والفضائل التي يكتسبها الصبي من معلمه.

 2-      معلامات الأيتام :

 اهتم الرسوليون اهتماماً كبيراً بالأيتام ؛ لأنهم كانوا يستشعرون دائماً أن الإسلام حث على الاهتمام بأمر اليتيم ورعاية مصالحه في قوله تعالى: " فأما اليتيم فلا تقهر" ، وفي قوله تعالى" يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم". ولذلك كانت معلامات الأيتام جزءاً لا يتجزأ من مؤهل لتعليمهم . و فيما يلي عدد من هذه المعلامات الملحقة بالمدارس كنماذج على سبيل المثال لا الحصر:

 أ‌-        معلامات المدرسة الأشرفية الكبرى :

 نشأها السلطان الأشرف الثاني إسماعيل بن العباس (ت: 803هـ/1400م) في سنة (800هـ/ 1397م) جنوب حصن تعز، ورتب فيها معلماً وخمسة عشر يتيماً، يتعلمون القرآن الكريم على يديه، وأوقف عليها كثيرا من الكتب النفائس في كل فن، ووقَّف عليها وقفاً جيداً.

 ب‌-    معلامة الأيتام في المدرسة الظاهرية :

 أنشأها السلطان الرسولى يحيى بن الأشرف إسماعيل (ت: 842هـ/1438م) في تعز. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن المدارس التي أنشئت في العهد الرسولى تكاد لا تخلو مدرسة منها من معلامة للأيتام، ولا بد من وجودها في المدارس النظامية في ذلك الوقت.

 جـ- المعلامات الخاصة :

 وهي خاصة بأبناء الشرائح الاجتماعية الرفيعة ، كأنباء السلاطين وكبار رجال الدولة والأعيان والأثرياء فيها، وقد تكون هذه المعلامة في منزل المعلم أو في منزل ولى الأمر.

 ثانياً: المسـاجــد :

 تعتبر المساجد أعظم المؤسسات التعليمية في تاريخ الإسلام فالمسجد له دوره الأساسي في قيادة الأمة للتعرف على تعاليم دينها ومبادئه السامية ؛ ولذلك اهتم رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ببناء المساجد التي كانت أول عمل اهتم به – صلى الله عليه وآله وسلم- بعد هجرته إلى المدينة المنورة، فبنى مسجد قباء على أطراف المدينة المنورة، وعند استقراره في المدينة بنى المسجد النبوي؛ ليكون مؤسسة تعليمية كبرى للمسلمين، تدار فيه شئون الدولة الإسلامية بصفة عامة، وشئونها العلمية والدينية بصفة خاصة، ومنذ ذلك الحين تألقت رسالة المساجد في مشارق أراضي الإسلام ومغاربها وفي كل العصور والأزمنة.

 ونالت اليمن شرف تحديد مواضع أول المساجد التي أقيمت بها كالجامع الكبير بصنعاء، وجامع الجند ، وكلاهما بنيا في حياة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- وبتوجيه منه إلى مواضع بنائها ، وقد ساهم هذان المسجدان مساهمة فعالة في اليمن منذ فجر الإسلام ،وفي كل العصور التالية في تحقيق نهضة علمية شاملة في أنحاء اليمن ، حيث عقدت الحلقات العلمية، وأُلقيت الدروس على طلبة العلم، واحتشد في هذه المساجد العلماء الضليعون في شتى أنواع العلوم والمعارف، وتخرجت على أيديهم الأجيال المتتابعة من علماء اليمن الذين ساهموا مساهمة فعالة في بناء الحضارة العربية الإسلامية . وشكلت المساجد الأساس القوي للبناء التعليمي والحضاري في اليمن، فاهتم الملوك والأمراء وذووهم ، وكبار رجال الدولة والأعيان ، والأغنياء والعلماء ، وغيرهم من فئات المجتمع ببناء المساجد ؛ رغبة منهم في نيل الثواب من الله تعالى، ولما لها من دور تعليمي وديني في نفس الوقت. وتتابع إنشاء المساجد في اليمن بصفة عامة ، وإن كانت المساجد في زمن الرسوليين قد شهدت تطوراً كبيراً فيما يتعلق بتنظيم العملية التعليمية. وهناك مساجد كبرى نالت سمعة كبيرة أوردتها المصادر، وكان لها تأثير نافذ وواسع  النطاق في المجتمع العلمي اليمني ، ومن هذه المساجد :

 1- مسجد الجند :

 نال مسجد الجند شهرة كبيرة منذ إنشائه، فهو في مدينة كبرى لها ثقلها الثقافي والحضاري، حيث كانت قبل إنشاء تعز المدينة الثانية في اليمن بعد صنعاء , وبعد إنشاء تعز انتقل مركز الثقل العلمي والحضاري إليها ، وتراجعت الجند ومسجدها قليلاً. ولكن ظل مسجد الجند منبراً من أرفع منابر الفكر الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية، وكان معاذ بن جبل هو أول من ألقى دروس العلم في مسجد الجند ، وكان ذلك من خلال محاوراته لكل من لديه سؤال يطلب عنه الإجابة. وقد شهد مسجد الجند عناية كبيرة من سلاطين الرسوليين حتى أصبح ذا تأثير نافذ وواسع النطاق، فتخرج فيه حشد كبير من العلماء. وتولى التدريس فيه كوكبة من العلماء الأفذاذ منهم : الفقيه عبد الرحمن بن على بن إسماعيل بن حديق الذى كان فقيهاً عارفاً محققاً قائلاً بالحق عاملاً به. كما تولى التدريس به أيضاً الفقيه المقرئ الليث البنائي، وهو أحد العلماء البارزين في علم القراءات السبع .

2- مسجد السلطان المظفر في ذي عُدَينَة  :

 من المساجد الجامعة المهمة في اليمن، أنشأه السلطان المظفر الأول يوسف بن عمر بن علي بن رسول (647- 694هـ/ 1249- 1295م) ثاني سلاطين بني رسول، وهو واحد من أعظم الحكام في تاريخ اليمن، وقد احتشد فيه عدد كبير من العلماء والفقهاء والمحدثين ، منهم العالم الفقيه وجيه الدين عبد الرحمن بن محمد النحواني (ت823هـ/ 1420م) ، وهو من أشهر العلماء الذين تضلعوا في علوم كثيرة، وقام بالتدريس في أماكن عدة قبل التدريس بجامع ذي عدينة، قال عنه البريهي: "كان  – رحمه الله - أبلغ أهل وقته وأفصحهم في الشعر والخطبة، فكان لوعظه موقع في القلوب". وتولى التدريس أيضاً الفقيه القاضي صفي الدين أحمد بن محمد التابعي (ت 832هـ/ 1428م) الذى كان من أهل بيت فقه ورئاسة ، كما درس به أيضاً المقرئ العلامة شمس الدين على بن محمد الرفدي المشهور بـ (الشر عبي) ، الذي كما يصفه البريهى: "وحيد عصره في علم القرآن وفي إيضاح ما أشكل منه، ورتب خطيباً بجامع ذي عدينة، ومدَّ الله في عمره حتى إنه لم يبق بمدينة تعز وما قاربها مقرئ إلا وهو من دَرَسته أو درَّسهُ، وكان جهوري الصوت لافظاً حافظاً ثبتاً محققا، وإذا وعظ وجلت القلوب لوعظه وشفيت الصدور ببليغ لفظه، وأُسكبت الدموع وحصل الخشوع، وداوم على الخطابة والإمامة في جامع ذي عدينة نحو أربعين سنة" .

 3- مسجد ثَعَبَات :

 أنشأه السلطان المجاهد على بن داود بن يوسف بن رسول (721-764هـ/1321- 1363م) قال عنه الخزرجى : "إنه أعلم بنى رسول وكان شاعراً فصيحاً" ، اتجهت همته إلى إنشاء المساجد ودور العلم، كان من بينها مسجد ثَعَبَات ، وكان قد "مدَّن هذه المدينة وبنى سورها واخترع فيها المخترعات الفائقة والبساتين ، وبنى فيها المساكن العجيبة والقصور الغريبة ، وله من الآثار الدينية مدرسة في مكة المشرفة ملاصقة للحرم الشريف يصلي المصلي فيها وهو يشاهد البيت الحرام".

 ثالثاً: المدارس :

 في سلسلة تطور المؤسسات التعليمية تعتبر المدرسة أهم هذه المؤسسات ، وأكثرها خدمة للعملية التعليمية، ومن حيث نشأة المدرسة في اليمن وفي جهات العالم الإسلامي كمؤسسة تعليمية تتبع نظاماً محدداً ثابتاً ، من حيث نظمها الإدارية ومصادر تمويلها، وهيئاتها التعليمية من العلماء، والمتعلمين فيها من الطلبة والمنتسبين إليها في الأقسام الخاصة بالأيتام ، وهي الأقسام المعنية بتحفيظهم القرآن الكريم.

 حقيقة إن عصر بني رسول تأسست به أكبر قاعدة علمية أكاديمية مدرسية في اليمن، يظهر ذلك بوضوح من حجم المؤسسات التعليمية المدرسية التي أسسها بنو رسول في العاصمة تعز وفى مدن اليمن الأخرى، ومن نوعية العلوم التي دُرِسَتْ في هذه المدارس لكافة المستويات، ومن مستوى العلماء الذين اشتغلوا بالتدريس في هذه المدارس، ومن إنتاجهم ومؤلفاتهم العلمية والإجازات العلمية التي منحوها لطلابهم، فإذا طبقت على هذه المدارس معايير الجودة السائدة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت ؛ لظهرت هذه المدارس بعلمائها وطلابها متألقة قد أحرزت مكانة مرموقة في تاريخ العلوم العربية والإسلامية. فالسلطان نور الدين عمر بن علي بن رسول (627-647هـ/ 1229-1249م) أنشأ - كما يذكر الجندي-  في السلوك ثماني مدارس . واشتغل بالتدريس في هذه المدرسة عدد كبير من العلماء البارزين في ذلك الوقت. وتابعه في إنشاء المدارس جل سلاطين بني رسول ، فالسلطان المؤيد أوقف على المدرسة المؤيدية  "خزانة من الكتب النفيسة مشتملة على مصنفات غريبة المعاني ، والتفسير ، والفقه والحديث ، واللغة والنحو والصرف، وبها أمهات الكتب من كل فن غريب، وبها تفسير القرآن العظيم للإمام فخر الدين المسمى بمفتاح الغيوب.. وما بقي من الكتب فعظيم الشأن نادر في بابه". وأنشأ السلطان الأفضل عباس بن المجاهد (764-778هـ/1363- 1376م) المدرسة الأفضلية، وفي ذلك يروي (الخزرجي) عن السلطان الأفضل: "وكان له من المآثر الدينية المدرسة التي أنشأها في مدينة تعز في ناحية الحبيل منها. أمر فيها بعمارة منارة لم يكن في البلاد مثلها، وذلك أنها على ثلاث طبقات: فالطبقة الأولى مربعة الشكل صحيحة الأركان، والطبقة الثانية مثلثة الأركان قائمة الحروف،  والطبقة الثالثة مسدسة الشكل عجيبة المنظر" .

 أما رواتب الكوادر العلمية والطلبة، فكانت تصرف في أول كل شهر رواتب مجزية- نقدية وعينية - للفقيه، ولكل واحد من الطلبة المشتغلين بالفقه ، وكذلك المعيد ، ومدرس الحديث النبوي ، وللطلبة المشتغلين في الحديث النبوي على صاحبه – أفضل الصلاة وأتم التسليم- ، والمشتغلين من الطلبة في القراءة ، وللنحوي . والملفت للنظر أن المدارس نالت اهتماماً كبيراً من كافة المستويات في الدولة الرسولية ؛ إيماناً منها بالدور الوظيفي المهم للمدرسة كمؤسسة تعليمية ، تؤدي رسالتها في تطوير المجتمع اليمني. وقد تحقق - في هذه المدارس-  كثير من معالم الانضباط الإداري ممثلاً في الجهاز الإداري الذى يشرف على إدارة المدرسة ممثلاً في شخصية ناظر الوقف والإمام والمؤذن والقيم ، والهيئة التعليمية التي كانت تضم في أغلب الأحيان فقيهاً شافعياً ومحدثاً ومقرئاً ومدرساً للنحو والأدب، وشيخاً صوفياً أحياناً لتدريس التصوف، وخطيباً ، وإلى جانب هذه الكوادر العلمية وظيفة (المعيد) ، وهي من الوظائف العلمية المعاونة للعلماء المدرسين في المدارس في ذلك العصر. وينضم إلى المكاتب (المعلامات) والمساجد والمدارس ، مؤسسات أخرى - كان لها دورها المؤثر في الحركة العلمية في عصر بني رسول - وهي الأربطة ، والزوايا والخانقاوات ، ودور الضيف.

 رابعا: الأربطة والزوايا والخانقاوات :

 صاحب انتشار التصوف في اليمن انتشار أنواع جديدة من أماكن التعليم هي الأربطة والزوايا والخانقاوات ، وما كان في اليمن هو نسخة مطابقة لما كانت عليه مثيلاتها في كل أماكن وجود التصوف والصوفية في كل أقطار العالم الإسلامي.

 الأربطـة والزوايـا :

الرُبُط جمع رباط، والرباط والمرابطة، ملازمة ثغر العدو، وصار لزوم الثغر رباطاً، وأصبح هذا اللفظ يدل عل البناء المحصن الذى يقام على الحدود ويرابط به جماعة من المجاهدين لمواجهة الأعداء ودفع خطرهم. وأصبح بعد ذلك مصطلحاً يحمل من بين دلالاته أن يطلق على المكان الذى ينزل فيه الصوفية. ويرجع بعض المؤرخين السبب وراء إطلاق مسمى الرباط على هذا الدور الصوفي إلى تشابه الوظيفة ، فالمرابط على الثغر يجاهد العدو، والصوفي المرابط في الرباط يجاهد النفس على طاعة الله ، وهجر الدنيا وانقطع للعبادة. ونالت مدينة تعز نصيباً كبيراً من هذه الزوايا والأربطة، كما رتب السلاطين في هذه الأربطة والزوايا عدداً من شيوخ التصوف وجماعات من المتصوفة، وأوقفوا عليهم الكثير من الأوقاف، وأجروا عليهم المرتبات الشهرية والأشياء العينية علاوة على الكسوة السنوية التي تمنح لكل فرد منهم.وكانت الحياة العلمية في الرباط لا تلتزم بمنهج موحد، بل كانت المناهج والكتب المستخدمة في هذه الأربطة تخضع إلى ميول منشئ الرباط أو الشيخ، فكان الطلبة والمريدون يلتفون حول شيخهم ويلازمونه حتى يأخذ عليهم العهد. وكل شيخ مع طلابه ، ومريديه يمثل مدرسة قائمة بذاتها وتياراً فكرياً متأثرا إلى حد كبير بالمنشئ لهذا الرباط  أو الشيخ القائم فيه.

 الخانقاوات :

 مفردها (خانقاة) ، وهي كلمة فارسية بمعنى (بيت) ، وهي المكان الذى يختلي فيه الصوفية للتعبد وذكر الله تعالى. وقد اهتم سلاطين بني رسول وأمرائهم ونسائهم والأعيان في دولتهم بإنشاء الخوانق في المدن اليمنية . ومن هنا كان اهتمام الرسوليين على اختلاف مستوياتهم بالخوانق ورعاية من فيها من شيوخ التصوف ومريديهم. ولذلك أشرف سلاطين بني رسول على هذه الخوانق بأنفسهم حتى إن مشيخة الخوانق أصبحت وظيفة من الوظائف الهامة التي يصدر بها قرار من السلطان نفسه . ولا تكاد مدرسة من المدارس الكبرى التي أنشئت في عهد بني رسول تخلو من خانقاة . والحياة فيها كانت تتبع النظم والشروط التي يحددها الواقف، وكان التدريس للطلبة والمريدين هو أحد الأهداف الرئيسة لبعض الخانقاوات ، ولم تقتصر الدراسة على العلوم الشرعية، وإنما امتد التدريس فيها ليشمل بعض العلوم العقلية الأخرى. وهكذا تدخل الأربطة والزوايا والخانقاوات ضمن المؤسسات التعليمية في عصر بنى رسول، وإن كانت لها خصوصية في بعض جوانب المعرفة التي تضطلع بتعليمها للمريدين ، وهي معرفة خاصة بعلوم التصوف وأبوابه.

 دور الضيف :

 اغتنم سلاطين بني رسول كل الفرص لدفع الحركة العلمية باليمن فأنشأوا ما عرف بـ(دار الضيف) ، أي دار الضيافة ، وهي الدور التي يستقبلون فيها العلماء الوافدين على اليمن من أنحاء العالم الإسلامي، وأصبحت هذه الدور مراكز علمية واجتماعية هدفها الاستفادة العلمية من العلماء الوافدين على اليمن . ويبدو أن هذه الدور أعدت إعداداً جيداً لاستقبال هؤلاء العلماء وتوفير سبل الحياة الهادئة ووسائل العيش الطبية لهم ، وكانت هذه الدور  تحت رعاية السلاطين أنفسهم ، ويعتبر السلطان المظفر يوسف بن عمر بن رسول أول من أنشأ داراً للضيف بمدينة تعز، وجعلها بجوار جامع المظفر . أما السلطان المجاهد علي بن داود بن رسول فقد أنشأ داراً للمضيف بمدينة تعز. وهذه الدور ساهمت في إنعاش وتقدم الحركة العلمية في العاصمة تعز بصفة خاصة وفى اليمن بصفة عامة، فقد تولى التدريس بها عدد من العلماء الوافدين حيث يتقاطر عليهم طلاب العلم في هذه الدور. ومن المؤكد أن هذه الدور تضمنت قاعات كبيرة لاستقبال الطلبة الراغبين في تحصيل العلوم والمعارف . ومن هؤلاء العلماء الذين تولوا التدريس بهذه الدور:

 1- الفقيه عبد الحميد بن عبدالرحمن بن عبد المجيد الحيلوتي (ت723هـ/1323م) .

 ً2- الفقيه محمد بن علي المقري (745هـ/1344م) .

 3- الفقيه عمر بن أبي بكر المشهور بـ (ابن العراف) (ت754هـ/1352م).

 4- الفقيه أبو بكر بن محمد الصبري (ت بعد سنة 810هـ/ 1407م) .

 ً5-  الفقيه عبد العزيز بن علي بن أحمد النويري (ت825هـ/1421م) .

 وهكذا شجع سلاطين الدولة الرسولية علوم الحديث، وكرموا حملته، وقد خصصوا جانباً كبيراً من (دار الضيف) لسماع الحديث ومدارسته عند وصول العلماء إلى البلاد . وعندما وصل إلى اليمن المحدث الكبير أحمد بن عبد الله الطبري المتوفى سنة (694هـ) المعروف بـ (المحب الطبري)  كان نزوله في هذه الدار ، وبإشارته وضع للملك المظفر عدة كتب في علم الحديث والفقه أسماها باسمه، ومن هذه الكتب كتاب (الدر المنثور للملك المنصور) ، وكتاب (الطراز المذهب المحبر في تلخيص المذهب للملك المظفر)، وألف للملك المظفر أيضاَ كتاب (المحرر للملك المظفر) جمع فيه أحكام الحديث من صحيح البخاري ومسلم، ووضع في (أسانيد) الملك المظفر كتابين ، أولهما: كتاب (الإعلام لمرويات المشيخة الأعلام من سكنة المسجد الحرام) ، وثانيهما: كتاب (العقود الدرية في المشيخة المظفرية) ، وغيره من الكتب. وهذا يعنى أن دار المضيف كانت مؤسسة تعليمية عليا في مرتبة أعلى من المدرسة، وكانت تحت الرعاية المباشرة لسلاطين بني رسول ؛ ولذلك اهتموا بها وبالنازلين فيها من العلماء عرفاناً منهم بأهمية هؤلاء العلماء وتأثيرهم الكبير في الحركة العلمية في اليمن.

 القائمون على العملية التعليمية

 ( أ ) :  شاغلو الوظائف التعليمية :

 يمكن تصنيف أصحاب هذه الوظائف إلى شرائح ثلاث؛ طبقاً لمواضعهم من العملية التعليمية  :

 - العلماء المدرسين : تمثل هذه الشريحة دائماً حجر الزاوية في العملية التعليمية، حيث يحتل هؤلاء العلماء على مر العصور الإسلامية المكانة الرفيعة في المجتمع، ونالوا الاحترام الكبير من بقية أفراد المجتمع المسلم، بل كان الحكام أنفسهم يجلونهم ويحترمونهم حباً فيهم أو هيبة منهم، وذلك لتأثيرهم الهائل على كل شرائح المجتمع الأخرى.

 وحقيقة فالعلماء المدرسون لم يكونوا على درجة واحدة من ناحية الحصيلة العلمية أو الخبرة التدريسية والمراحل العمرية، وبالتالي تباينت أدوارهم التعليمية طبقاً لذلك، وتعددت أيضاً وظائفهم التعليمية. وبالتالي يمكن تقسيم المدرسين إلى فئتين : معلمي المرحلة الأولى (الصبيان) ، ومعلمي المرحلة العليا.

 1- معلمي المرحلة الأولى : وهم الذين اضطلعوا بالتدريس للصبيان في المعلامات، فدرَّسوا لهم أبجديات العلوم الأساسية، وشرعوا في إعدادهم لكي يكونوا قادرين على مواجهة مهامهم التعبدية والحياتية البسيطة فور تخرجهم من المعلامة، وأطلقت عليهم المصادر أسماء مختلفة مثل : المعلمين، أو معلمي الصبيان ، أو معلمي الأيتام، أو المؤدبين (وهم معلمو أبناء الخاصة). ويذكر البريهي مثالاً لهذا النوع الأخير من المؤدبين الذين اختصوا بأبناء السلاطين والأمراء والقادة والأعيان والعلماء والقضاة ، فيقول في ترجمته لرضي الدين أبي بكر محمد الصبري(ت810هـ/1407م) : إنه كان فقيهاً نحوياً مشاركاً في سائر العلوم، فجعله السلطان الناصر أحمد (ت827هـ/1423م) معلماً لأولاده ومؤدباً لهم.

 2- معلمي المرحلة الثانية : وهم عموم العلماء في اليمن، وهؤلاء عادة ما تزدحم جداول أعمالهم اليومية بالمهام العلمية والتدريسية في صورها المختلفة من إملاء وإلقاء للدروس ومذاكرة وتأليف ووعظ وإفتاء. ويتباين هؤلاء العلماء في إجادتهم للعديد من العلوم من فقه وحديث وفتوى وقراءات وغيرها، فنجد البعض تخصص في الحديث ورجاله ومصطلحاته، وتبعا لذلك تعددت الألقاب والمسميات فاشتقت هذه الألقاب والمسميات من مستوى إجادتهم وتفوقهم للعلوم التي يدسونها فصرنا نجد :  الفقيه المدرس، والمحدث المدرس، والمقرئ والمفتي، والقاضي.

 وينبغي هنا أن نشير إلى الوظائف المعاونة للعلماء المتخصصين تعرفنا على وظيفتي المعيد وقارئ الحديث. والمعيد يأتي في المرتبة الثانية بعد الفقيه ، إذ هو مساعده فهو يقوم له بمهمتين أولاهما: استباقه للدرس بقيامه بالتوطئة له قبل أن يلقيه الفقيه نفسه، في صورة أشبه ما تكون بالتحضير المسبق، وثانيهما: لاحقة وذلك بإعادته للدرس بعد انصراف الفقيه لكي يفهم الطلاب ما استعصى عليهم فهمه ، ولذلك اسمه كمعيد مشتق من وظيفته.

 أما وظيفة قارئ الحديث فهي وظيفة ثانوية للوظيفة الأساسية داخل الأماكن التعليمية سواء في المسجد أو في المدرسة ، فقد كان معلمو الحديث النبوي من كبار العلماء المشهورين يقومون بوظيفتهم بأنفسهم ، وأحياناً تناط بالمبرزين من تلاميذهم ، ويتمثل العمل في هذه الوظيفة بإسماع الحديث النبوي للمتطوعين والمحبين لسماعه من العامة وغير الطلبة المنتظمين في الحلقات والمجالس العلمية الدائمة، وهو ما يعكس صورة من صور التنظيم التدريسي الذى يفصل بين المتفرعين للتعلم والتحصيل، وبين أولئك غير المنتظمين في سلك التعليم النظامي.

 ( ب ) :  شاغلو الوظائف الإدارية والدينية:

 وهؤلاء وظائفهم مرتبطة بالمدارس والمساجد بصورة غير مباشرة ، فهي وظائف إدارية وخدمية ودينية ، ولكنها خارج نطاق العملية التعليمية، لكنها لا تنتظم بدون الجهد الذي يبذله هؤلاء،  وشاغلوها هم:

 1- الناظر : وهو المسئول الإداري الأول عن المؤسسة التعليمية، وقد تولاها في معظم الأحوال بعض الواقفين أو المؤسسين أنفسهم ما لم ينشغلوا بأمور أخرى "وكانت المسئولية على الناظر كبيرة تستلزم منه بذل الجهد الكبير للحفاظ على المدرسة وملحقاتها، وهيئة التدريس فيه وطلبة العلم المعينين بها، ومصادر دخلها ووارداتها، وضبط مصروفاتها، مستعيناً بعدد من المساعدين في الوظائف الإدارية والدينية الأدنى".

 2- النائب : يبدو أن الذين استحدثوها هم أولئك الواقفون الذين لم تمكنهم ظروفهم من متابعة المنشأة العلمية التي بنوها بأنفسهم ؛ لذلك فإن وصف المهام التي يفترض على النائب القيام بها في حالة عدم وجود الناظر هي نفس المهام التي يقوم بها الناظر.

 3- الإمام : ترتبط هذه الوظيفة بالمدرسة إذا كان المسجد أحد مرافقها، ويشترط في الإمام ما يشترط في الأئمة في أي مكان آخر، من ا حسن الصوت، ودوام ملازمته للمسجد في جميع الصلوات المفروضة بأوقاتها، إضافة إلى الصلوات النافلة ، كالتراويح وليلة النصف من شعبان والخسوف والكسوف ، وعدم إطالة الصلاة، مع معرفة بفروض الوضوء وسننه وفروض الصلاة وسننها، ومحافظة على طهارة الثوب والبدن.

 4- المؤذن: وظيفته مقترنة بوظيفة الإمام ، وهي إقامة الشعائر الدينية. ومن مهام المؤذن في كل مدرسة أو مسجد التي وضعت فيمن يتولى هذه الوظيفة: أن يكون حسن الصوت، وأن يلزم الدقة في الإعلام بدخول وقت الصلاة، وألا يقيم الصلاة إلا بإذن الإمام ، والقيام بالتسبيح في منارة المدرسة أو المسجد، والقيام مع الإمام في الصلوات المفروضة والمسنونة، وصلاة الخوف والخسوف و الكسوف.

 5- القَيِّم :  ووظيفة القَيِّم هي وظيفة العمال القائمين على تنظيف المسجد أو المدرسة من داخلها أو خارجها، وفرش ما تحتاجه هذه المؤسسات من البُسُط والحُصْر وإشعال المصابيح والشمع فيها عند الحاجة، وإطفائها عند الاستغناء عنها وحفظ أدوات المدرسة من البُسُط والحُصْر والفرش والقناديل والمصابيح والأسقية، ولكثرة مهام القَيِّم أحيانا نجد الوقفية تتضمن تعيين قَيِّمَيْن.  ومما سبق يتضح لنا أن تلك المؤسسات قامت بدورها القيادي في خدمة المجتمع اليمنى ، حيث انطلق تأثير هذه المرافق التعليمية من العاصمة تعز مؤثراً في أنحاء اليمن، حيث كانت هذه المؤسسات مراكز علمية وثقافية وتنويرية شمل تأثيرها المجتمع اليمنى كله. فقد حظي العلماء بمكانة اجتماعية كبيرة مكنتهم من العمل على إحياء الشريعة والتصدي للانحرافات والبدع، وتقويم ما اعوج من سلوك الحكام والعامة. وكان العلماء في سلوكهم وسمتهم وتواضعهم وورعهم وإخلاصهم والعمل لإظهار عزة الإسلام، موضع تقدير واحترام سائر فئات المجتمع فالتف الناس حولهم واتخذوا منهم القدوة الصالحة في سائر أعمالهم.

 ومن القطعي أن اهتمام ملوك بني رسول بهذه المؤسسات التعليمية ، وما احتشد فيها من علماء لهم وزنهم العلمي وسمعتهم العلمية الطيبة في العالم الإسلامي ،جعلت من اليمن في عهدهم مزاراً  للعلماء من سائر نواحي العالم الإسلامي. وهنا تتفجر معالم التأثير والتأثر على المستوى العلمي والثقافي في المجتمع اليمني بتلك الأعمالً العلمية الخالدة في الفكر الإسلامي في عهد بني رسول التي بلغت أوج عظمتها وتقدمها ؛ مما جعل بعض العلماء يأتون إلى اليمن  مؤثرين متأثرين بما في المدرسة اليمنية من علوم ومعارف، ويأتي في مقدمة هؤلاء العلماء :

 1- الإمام مجد الدين الفيروز أبادي (ت817هـ/1414م)، الذي وفد إلى اليمن سنة (796هـ/1393م) واستقبله بكثير من مظاهر الحفاوة السلطان الرسولي الأشرف الثاني إسماعيل (ت803هـ/1400م) ، وقد ألف في اليمن كتابه (القاموس المحيط) الذي قال عنه: "جمعت القاموس في اللغة مختصراً من ألف كتاب" ،

 2-ً الإمام الحافظ المحدث شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني المصري (ت852هـ/1448م) الذي زار اليمن مرتين : الأولى سنة (800هـ/1397م) ،  والثانية سنة (806هـ/1403م).

 3- الإمام ابن الجزري سنة (828هـ/1424م) زار اليمن في زمن السلطان المنصور بن الناصر أحمد (ت830هـ/1426م)، و قد اجتمع إليه العلماء وطلبة العلم في تعز ، وقرأ عليهم كتابه (النشر في القراءات العشر) ولم يغادر اليمن إلا وفد أحدث فيها نقلة ، بل قفزة عملاقة في علم القراءات، وساح طلابه في أنحاء اليمن ينشرونها .

 ولولا أن هناك قاعدة علمية قوية بناها سلاطين بني رسول ، من خلال المؤسسات التعليمية التي أنشؤوها وقاموا على رعايتها لما تمكن هؤلاء العلماء من إنجاز مهامهم العلمية ؛ لأنهم صادفوا عقولاً يمنية على قدر رائع من الفكر والعلم والثقافة.

 خامسا :  اتجاه الإنتاج الثقافي :

  وتحت هذا الاتجاه تظهر عدة إشارات ،  منها : كثرة التأليف والإنتاج الثقافي في مجالات عدة إلا أن الفقه استأثر بالنصيب الأوفر ، وحاز كل من علم الكلام وعلم التاريخ المرتبة الثانية بعد الفقه،  ثم أخذت العلوم الأخرى حيزاً متفاوتاً ، إلا أن علوماً جديدة راجت في هذا العصر تناولها علماء هذا العصر مثل : السياسة والطب والفلك والحساب والموسيقى والصناعة والزراعة ، وإن كانت قليلة الإنتاج إلا أنها كانت مثارة في الأوساط العلمية . ومنها : أن كتب الشروح والذيول والمختصرات كانت ظاهرة سائدة في أوساط العلماء حتى صار كل عالم يشرح كتا من سبقه ، أو يلخصه ، أو يذيل عليه ، وهذا يظهر بوضوح في علم الفقه وعلم النحو والأدب .

 سادسا : اتجاه الثقافة الصوفية :

  قد لا يكون هناك موافقة على ذلك الوصف العام الذي دمغت به الدولة الرسولية بأنها دولة صوفية ، وإن كان لا يُرْفَض كلِّيَّة ، لأن دولة بني رسول كانت صاحبة الدور الأكبر في غرس التصوف في اليمن من خلال ما بذلوه من جهود التشجيع ، والبذل ، والتولية لرجال التصوف في ميادين القضاء والإفتاء ، وبناء الزوايا والأربطة والمدارس الصوفية ، والإنفاق عليها بسخاء. وشيوخ الصوفية في هذا العهد كانوا يدرسون التصوف مع علوم أخرى، كالفقه والحديث وبعض العلوم الأخرى، وكانت لهم طرق معينة في الذكر والتعبد.

 أما الكتب التي كانوا يتدارسونها، واعتمدوا عليها في القراءة والأذكار فمنها كتابي (إحياء علوم الدين، ومنهاج العابدين للغزالي)، وكتاب الرسالة القشيرية، وعوارف المعارف، والتذكرة للقرطبي، والترغيب والترهيب للمنذري .

 سابعاً : الاتجاه المذهبي :

 لاشك أن الدولة الرسولية كانت سُنِّيَّة الاتجاه ، إلا أنها اعتمدت على الصوفية في تثبيت دعائمها . بل وجدت التصوف هو أسهل الوسائل لبسط سياسة الدولة في أطرافها وحواضرها . ولهذا سعوا وبكل همة لتهيئة ودعم المتصوفة بكل أشكال الدعم . فهم ليسوا دولة صوفية وإنما هم دولة استفادوا من الصوفية استفادة كاملة اجتماعياً وسياسياً ، حتى أن آل رسول لم يدخلوا حضرموت سياسياً إلا بعد أن صار لهم هناك وجود  ولاء ومحبة من خلال التصوف .

 رغم أن المذهبية كانت سائدة في بلاد الإسلام كلها إلا أن اليمن انحسرت فيه المذاهب إلى مذهبين اثنين هما الشافعية والزيدية .. وفي ظل الدولة الرسولية بقيت بقية من المذهب الحنفي الذي أشير إليه من خلال بعض علمائه الذين كانوا في مدن تهامة ، ولم يكن المذهب الحنفي سائداً في أوساط الناس ، بل كان البعض منهم يُدَرِّسون الفقه الشافعي والحنفي معاً. ولم يعرف اليمن صراعاً مذهبياً عاماً ، ولم تنشئ المذهبية الفقهية تجمعات طائفية متنافرة متنازعة.

 ثامنا : الاتجاه العلمي لدى السلاطين والأئمة :

 شهد هذا العصر – عصر بني رسول – تسنم السلاطين مقاليد العلم والثقافة بأنواعها المختلفة ، فلم يكتفوا بتولي ناصية الحكم ، ومقاليد السياسة وإدارة المعارك الحربية فحسب ، وإنما صاروا يخوضون ميادين العلم والثقافة : دراسةً وتحقيقاً وتأليفاً ومشاركة ، بل ومنافسة في المزاحمة أمام العلماء لتلقي العلم . والحقيقة التي لا مرية فيها أن السلاطين الرسوليين كان لهم اهتمام خاص بالعلم ، غير التشجيع والعطاء في سبيله ، بل لتلقيه ومدارسته والتأليف في مجالاته المتنوعة .ونشير إلى أن بعض السلاطين كان ينزل عن كرسي الحكم ؛ ليجلس بين يدي العالم القادم إلى اليمن لما يعلم من أنه يحمل علماً ، كما فعل السلطان الأشرف الثاني إسماعيل الذي قعد بين يدي القاضي مجد الدين الفيروز أبادي
 في مجلس الحديث المنعقد في زبيد ؛ ليسمع منه صحيح البخاري.وكذلك قعد ابنه السلطان الناصر أحمد أمام القاضي عز الدين عبد العزيز بن علي التويري  مع مجموعة من الفقهاء في تعز.وأما التأليف والإنتاج الثقافي للسلاطين فكان بعضهم من أوائل من خاض غمار التأليف في مجالات من العلوم قد لا يخوضها غيرهم ، كما هو حال المظفر يوسف بن عمر بن علي ثاني سلاطين بني رسول ، فقد برع في علم الفلك ، وعلم الصناعات ، وفي علم الطب.

 أما ابنه الأشرف الأول عمر بن يوسف رغم عدم طول عمره في الحكم إلا أنه – وبالتأكيد قبل توليه الحكم – ألف مؤلفات في : الطب البشري ، والبيطري ، وعلم الفلك ، وعلم الفلاحة ، وفي التاريخ والأنساب ، فقد عُدَّ له أحد عشر مؤلفاً . ومثله المؤيد داود بن يوسف بن عمر الذي وصفه الخزرجي بأنه " أخذ من كل فن ، وشارك في كل علم " وكان له اهتمام بالشعر والأدب.

 فالمجاهد علي بن داود بن يوسف ، ورغم أنه تولى الحكم
صغيراً – خمس عشرة سنة – إلا أنه تعلم وهو في معترك السياسة والحرب ، وكان له مؤلفات في : الطب البيطري ، وفي الهندسة المعمارية. وتسلم الأفضل عباس بن علي الحكم  ؛ لينعم اليمن بقدر من الهدوء وانعدام الفتن، وكان من أكثر ملوك بني رسول تأليفاً للكتب النادرة العلوم ، كعلم الرمل ، وعلم الفلاحة ، مع شهرته في تأليف كتب التاريخ من تراجم وأنساب وتاريخ عام.

 وكان السلطان الأشرف الثاني إسماعيل بن العباس متخصصاً في تأليف كتب التاريخ ، ومازالت موجودة بين أيدينا اليوم.

 تاسعا: اتجاه الحضور الثقافي للمرأة :

 ولعل أبرز ما يظهر في هذا الاتجاه أن المرأة كانت حائزة لقصب السبق في بناء المدارس ، والمساجد ، والمقرات العلمية المختلفة ، ورصد الأوقاف الكبيرة للصرف على كل المَبَرَّات العلمية ، سواء على روادها من الطلاب ، أو القائمين عليها تدريساً وصيانة ورعاية . ومن الملاحظ أن نساء البيت الرسولي كُنَّ يحملن روحاً وثابة في الصرف بسخاء على المؤسسات العلمية ، والإشراف عليها بشكل مباشر ، أو غير مباشر . ورغم بروز النساء في إثراء الحركة الثقافية في العهد الرسولي من خلال المشاركة في بناء المؤسسات العلمية والثقافية إلا أن التصدر للعلوم تعليماً وتأليفاً فهذا – مقارنة بما قمن به في مجال بناء المدارس – يعد شيئاً غير مذكور .

 بحكم رغبة السلاطين في العلم والتعلم ، وكونهم من رجال العلم ، فإن من البداهة أن يهتموا بنسائهم وبناتهم في التعليم والتعلم ، وقد ورد بأن بعض السلاطين كانوا يخصصون من يقوم بتعليم النساء في قصورهن .

   ولقد ورد ذكر زينب ابنة الإمام أحمد بن أبي بكر الناشري ( ت 821هـ/1418م ) ، وهي عالمة بنت عالم وتزوجت بعالم وترجم لها السخاوي في كتابه. ومنهن ابنة الفقيه أبي عمر بن عبد الرحمن المعروف بالقدسي ( ت 688هـ/1289م ) ، وهند بنت محمد القوتاتي التي عرف أبناؤها بأبناء المعلمة لقعودها للتعليم.

 

 

 

 

شاركنا

primi sui motori con e-max.it

استطلاع

ما رايك بالخدمات التي يقدمها الموقع؟

ممتاز - 82.6%
جيد - 8.7%
مقبول - 8.7%